فصل: الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُصَالِحِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ: فَنَقُولُ- وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ-: الْوَكِيلُ يَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ بِأَشْيَاءَ (مِنْهَا): عَزْلُ الْمُوَكِّلِ إيَّاهُ وَنَهْيُهُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ بِالْعَزْلِ وَالنَّهْيِ وَلِصِحَّةِ الْعَزْلِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا عِلْمُ الْوَكِيلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، فَلَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، كَالْفَسْخِ فَإِذَا عَزَلَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ انْعَزَلَ،- وَكَذَا لَوْ كَانَ غَائِبًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابَ الْعَزْلِ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ، وَعَلِمَ بِمَا فِيهِ، انْعَزَلَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ.
وَقَالَ: إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْكَ، وَيَقُولُ: إنِّي عَزَلْتُكَ عَنْ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُولُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، بَعْدَ أَنْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسِلِ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ.
وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا، وَلَا أَرْسَلَ رَسُولًا، وَلَكِنْ أَخْبَرَهُ بِالْعَزْلِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ كَانَا أَوْ غَيْرَ عَدْلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ، يَنْعَزِلُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ أَوْ الْعَدْلِ أَوْلَى، وَإِنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ: فَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَا يَنْعَزِلُ وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعِنْدَهُمَا يَنْعَزِلُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ وَإِنْ كَذَّبَهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ الْعَزْلِ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ، وَلَا الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الْإِخْبَارِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ الْعَزْلِ لَهُ شِبْهُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْتِزَامَ حُكْمِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَهُوَ الْعَزْلُ، وَهُوَ لُزُومُ الِامْتِنَاعِ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَلُزُومُ الْعُهْدَةِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ؛ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَحَدِ شُرُوطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ أَوْ الْعَدَدُ- وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ: الشَّفِيعُ إذَا أَخْبَرَهُ بِالْبَيْعِ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، وَلَمْ يَطْلُبْ الشُّفْعَةَ حَتَّى ظَهَرَ عِنْدَهُ صِدْقُ الْخَبَرِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فِي بَنِي آدَمَ، ثُمَّ أَخْبَرَ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ مَوْلَاهُ أَنَّ عَبْدَهُ قَدْ جَنَى، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى أَعْتَقَهُ، لَا يَصِيرُ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا: يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ.
وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ: الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إذَا بَلَغَهُ حَجْرُ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ عَدْلٍ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا: يَصِيرُ مَحْجُورًا.
وَإِنْ عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ، وَأَشْهَدَ عَلَى عَزْلِهِ، وَهُوَ غَائِبٌ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِالْعَزْلِ أَحَدٌ، لَا يَنْعَزِلُ، وَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بَعْدَ الْعَزْلِ كَتَصَرُّفِهِ قَبْلَ الْعَزْلِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: فِي الْمُوَكِّلِ: إذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَبَاعَ الْوَكِيلُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي، كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمْنِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَيَرْجِعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا قَبْلَ الْعَزْلِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَمْ يَصِحَّ لِانْعِدَامِ شَرْطِ صِحَّتِهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ.
وَالثَّانِي- أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ، فَأَمَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ فَلَا يَصِحُّ الْعَزْلُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ فِي الْعَزْلِ إبْطَالَ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَهُوَ كَمَنْ رَهَنَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَجَعَلَ الْمُرْتَهَنَ أَوْ الْعَدْلَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ، وَقَبْضِ ثَمَنِهِ عِنْدَ حِلِّ الْأَجَلِ، فَعَزَلَ الرَّاهِنُ الْمُسَلَّطَ عَلَى الْبَيْعِ، لَا يَصِحُّ بِهِ عَزْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ مَعَ الْمُدَّعِي بِالْتِمَاسِ الْمُدَّعِي، فَعَزَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُدَّعِي، لَا يَنْعَزِلُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إنْ غَابَ ثُمَّ عَزَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ غَابَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِحُّ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الطَّلَاقِ وَلَا عَلَى التَّوْكِيلِ بِهِ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَكَالَاتِ.
وَلَوْ وَكَّلَ وَكَالَةً غَيْرُ جَائِزٍ الرُّجُوعُ، يَعْنِي بِالْفَارِسِيَّةِ وَكِيلِي دماركست، هَلْ يَمْلِكُ عَزْلَهُ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ لَا يَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَكَّلَهُ وَكَالَةً ثَابِتَةً غَيْرُ جَائِزٍ الرُّجُوعُ عَنْهَا، فَقَدْ أَلْحَقَ حُكْمَ هَذَا التَّوْكِيلِ بِالْأَمْرِ، ثُمَّ لَوْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ إلَى رَجُلٍ يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ أَمْرَ عَبْدِهِ إلَى رَجُلٍ يُعْتِقُهُ مَتَى شَاءَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْ امْرَأَتِي- إنْ شِئْتَ أَوْ أَعْتِقْ عَبْدِي إنْ شِئْتَ- لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ، كَذَا هَذَا، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِ يَمْلِكُ عَزْلَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَمْلِكُ الْعَزْلَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ، بَلْ هِيَ إبَاحَةٌ، وَلِلْمُبِيحِ حَقُّ الْمَنْعِ عَنْ الْمُبَاحِ.
وَلَوْ قَالَ وَقْتَ التَّوْكِيلِ: كُلَّمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي وَكَالَةً مُسْتَقْبَلَةً فَعَزَلَهُ يَنْعَزِلُ، وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ وَكِيلًا ثَانِيًا وَكَالَةً مُسْتَقْبَلَةً كَمَا شَرَطَ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ.
وَلَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: كُنْتُ وَكَّلْتُكَ وَقُلْتُ لَكَ: كُلَّمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ وَقَدْ عَزَلْتُكَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلَّقَ التَّوْكِيلَ بِشَرْطٍ ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ، وَلَا يَصِيرُ وَكِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي التَّوْكِيلِ الْمُعَلَّقِ: لَا يَمْلِكُ الْعَزْلَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ وَكَالَةً مُسْتَقْبَلَةً، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْعَزْلَ فِي الْمُرْسَلِ فَفِي الْمُعَلَّقِ أَوْلَى.
(وَمِنْهَا) مَوْتُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ الْآمِرِ بِالْمَوْتِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ عَلِمَ الْوَكِيلُ بِمَوْتِهِ أَمْ لَا.
(وَمِنْهَا) جُنُونُهُ جُنُونًا مُطْبِقًا؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ الْمُطْبِقَ مُبْطِلٌ لِأَهْلِيَّةِ الْآمِرِ.
وَاخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي حَدِّ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ فَحَدَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِمَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ، وَمُحَمَّدٌ بِمَا يَسْتَوْعِبُ الْحَوْلَ.
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُسْتَوْعِبَ لِلْحَوْلِ هُوَ الْمُسْقِطُ لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ أَدْنَى مَا يَسْقُطُ بِهِ عِبَادَةُ الصَّوْمِ، فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى.
(وَمِنْهَا): لَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ، فَكَانَتْ وَكَالَةُ الْوَكِيلِ مَوْقُوفَةً أَيْضًا، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُوَكِّلُ نَفَذَتْ.
وَإِنْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، بَطَلَتْ.
وَعِنْدَهُمَا تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ، فَكَذَا الْوَكَالَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ، فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إجْمَاعًا.
لِأَنَّ رِدَّةَ الْمَرْأَةِ لَا تَمْنَعُ نَفَاذَ تَصَرُّفِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ النَّفَاذُ وَهُوَ الْمِلْكُ.
(وَمِنْهَا) عَجْزُ الْمُوَكِّلِ وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ بِأَنْ وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ رَجُلًا، فَعَجِزَ الْمُوَكِّلُ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَ الْمَأْذُونُ إنْسَانًا، فَحُجِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَجْزِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ آمِرِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَيَبْطُلُ الْأَمْرُ، فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ.
(وَمِنْهَا) مَوْتُ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْمَوْتَ مُبْطِلٌ لِأَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
(وَمِنْهَا) جُنُونُهُ الْمُطْبِقُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا، لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا أَنْ يَعُودَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ مَوْقُوفًا فَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا زَالَ التَّوَقُّفُ، وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ أَصْلًا.
وَإِنْ حُكِمَ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا هَلْ تَعُودُ الْوَكَالَةُ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَعُودُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ تَعُودُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ نَفْسَ الرِّدَّةِ لَا تُنَافِي الْوَكَالَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ قَبْلَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ؟ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِتَعَذُّرِ التَّنْفِيذِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ.
فَإِذَا عَادَ زَالَ الْمَانِعُ، فَيَجُوزُ، وَنَظِيرُهُ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدٍ بِالْكُوفَةِ، فَلَمْ يَبِعْهُ فِيهَا حَتَّى خَرَجَ إلَى الْبَصْرَةِ، لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ إذَا عَادَ إلَى الْكُوفَةِ مَلَكَ بَيْعَهُ فِيهَا، كَذَا هَذَا.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ، حُكِمَ بِبُطْلَانِهِ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ- كَالنِّكَاحِ.
(وَأَمَّا) الْمُوَكِّلُ إذَا ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا، لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تَعُودُ: وَوَجْهُهُ: أَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ لِبُطْلَانِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا، عَادَ مِلْكُهُ الْأَوَّلُ، فَيَعُودُ بِحُقُوقِهِ.
(وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ لُحُوقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ.
وَلَوْ مَاتَ لَا يُحْتَمَلُ الْعَوْدُ- فَكَذَا- إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ-.
(وَمِنْهَا): أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ قَبْلَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ نَحْوُ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ، فَبَاعَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَكَذَا إذَا اسْتَحَقَّ أَوْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ.
لِأَنَّ الْوَكِيلَ عَجَزَ عَنْ التَّصَرُّفِ؛ لِزَوَالِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ؛ فَيَنْتَهِي حُكْمُ الْوَكَالَةِ.
كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ- وَلَوْ بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ، هَلْ تَعُودُ الْوَكَالَةُ كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَعُودُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَعُودُ؛ لِأَنَّ الْعَائِدَ بِالْفَسْخِ عَيْنُ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، فَيَعُودُ بِحُقُوقِهِ-.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُوَكِّلِ نَفْسِهِ يَتَضَمَّنُ عَزْلَ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَعْجَزَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا وَكَّلَهُ بِهِ وَالْوَكِيلُ بَعْدَ مَا انْعَزَلَ لَا يَعُودُ وَكِيلًا، إلَّا بِتَجْدِيدِ التَّوْكِيلِ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَهَبَ عَبْدَهُ، فَوَهَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ، لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ؛ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ أَنْ يَهَبَهُ.
فَمُحَمَّدٌ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَبَيْنَ الْهِبَةِ: (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ لَهُ لَمْ يَتَّضِحْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ، فَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ تَزْوِيجِهَا مِنْهُ، فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ.
وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ بِالتَّدْبِيرِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْهِبَةِ فَفَعَلَ بِنَفْسِهِ لِمَا قُلْنَا.
وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِخُلْعِ امْرَأَتِهِ.
ثُمَّ خَلَعَهَا؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَا تَحْتَمِلُ الْخُلْعَ.
وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَطَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَاحِدَةً، وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ فَالْوَكَالَةُ قَائِمَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ فِي الْعِدَّةِ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِالْكِتَابَةِ فَكَاتَبَهُ، ثُمَّ عَجَزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً، فَزَوَّجَهُ، وَأَبَانَهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهُ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَإِذَا فَعَلَ مَرَّةً حَصَلَ الِامْتِثَالُ، فَانْتَهَى حُكْمُ الْآمِرِ كَمَا فِي الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ قَاضٍ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي يُوجِبُ ارْتِفَاعَ الْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ، وَيَجْعَلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا تَكْرَارًا.
حَتَّى لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ وَقَدْ انْتَهَتْ الْوَكَالَةُ بِالْأَوَّلِ فَلَا يَمْلِكُ الثَّانِي إلَّا بِتَجْدِيدِ التَّوْكِيلِ.
(وَمِنْهَا): هَلَاكُ الْعَبْدِ الَّذِي وُكِّلَ بِبَيْعِهِ أَوْ بِإِعْتَاقِهِ أَوْ بِهِبَتِهِ أَوْ بِتَدْبِيرِهِ أَوْ بِكِتَابَتِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَحَلِّ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ هَلَاكِهِ.
وَالْوَكَالَةُ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ مُحَالٌ، فَبَطَلَ- ثُمَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي ذَكَرْنَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بِهَا الْوَكِيلَ مِنْ الْوَكَالَةِ سِوَى الْعَزْلِ وَالنَّهْيِ، لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهَا بَيْنَ مَا إذَا عَلِمَ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنْ الْوَكَالَةِ، لَكِنْ تَقَعُ الْمُفَارَقَةُ فِيمَا بَيْنَ الْبَعْضِ وَالْبَعْضِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا بَاعَ الْعَبْدَ الْمُوَكَّلَ بِبَيْعِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَكِيلُ، فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ، وَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ، رَجَعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
وَكَذَا لَوْ دَبَّرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ اسْتَحَقَّ أَوْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ.
وَفِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ أَوْ جُنَّ أَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ الَّذِي وُكِّلَ بِبَيْعِهِ وَنَحْوَهُ لَا يَرْجِعُ الْوَكِيلُ.
وَالْفَرْقُ:- أَنَّ الْوَكِيلَ هُنَاكَ وَإِنْ صَارَ مَعْزُولًا بِتَصَرُّفِ الْمُوَكَّل- لَكِنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِتَرْكِ إعْلَامِهِ إيَّاهُ، فَصَارَ كَفِيلًا لَهُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ؛ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ؛ إذْ ضَمَانُ الْغُرُورِ فِي الْحَقِيقَةِ ضَمَانُ الْكَفَالَةِ- وَمَعْنَى الْغُرُورِ لَا يَتَقَدَّرُ فِي الْمَوْتِ وَهَلَاكِ الْعَبْدِ وَالْجُنُونِ وَأَخَوَاتِهَا، فَهُوَ الْفَرْقُ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ وَهَبَ الْمَالَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالْوَكِيلُ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ فَقَبَضَ الْوَكِيلُ الْمَالَ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ كَانَ لِدَافِعِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ الْمُوَكِّلَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ يَدُ نِيَابَةٍ عَنْ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِأَمْرِهِ.
وَقَبْضُ النَّائِبِ كَقَبْضِ الْمَنُوبِ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مَا وَهَبَهُ مِنْهُ.
وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَرَجَعَ عَلَيْهِ فَكَذَا هَذَا وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

.كِتَابُ الصُّلْحِ:

الْكَلَامُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ، وَفِي بَيَانِ شَرْعِيَّةِ كُلِّ نَوْعٍ، وَفِي بَيَانِ رُكْنِ الصُّلْحِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الصُّلْحِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَبْطُلُ بِهِ عَقْدُ الصُّلْحِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا بَطَلَ، أَوْ لَمْ يَصِحَّ مِنْ الْأَصْلِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الصُّلْحُ فِي الْأَصْلِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ:
صُلْحٌ عَنْ إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَصُلْحٌ عَنْ إنْكَارِهِ، وَصُلْحٌ عَنْ سُكُوتِهِ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ، وَلَا إنْكَارٍ، وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُدَّعِي، وَالْأَجْنَبِيِّ الْمُتَوَسِّطِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْمَشْرُوعُ هُوَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ وَسُكُوتٍ لَا غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَّا الْمَشْرُوعُ هُوَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ لَا غَيْرُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ جَوَازَ الصُّلْحِ يَسْتَدْعِي حَقًّا ثَابِتًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي مَوْضِعِ الْإِنْكَارِ وَالسُّكُوتِ أَمَّا فِي الْإِنْكَارِ؛ فَلِأَنَّ الْحَقَّ لَوْ ثَبَتَ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالدَّعْوَى، وَقَدْ عَارَضَهَا الْإِنْكَارُ، فَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَأَمَّا فِي السُّكُوتِ فَلِأَنَّ السَّاكِتَ يُنَزَّلُ مُنْكِرًا حُكْمًا حَتَّى تُسْمَعَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَكَانَ إنْكَارُهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْمُدَّعِي فَلَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ.
وَلَوْ بَذَلَ الْمَالَ لَبَذَلَهُ لِدَفْعِ خُصُومَةٍ بَاطِلَةٍ فَكَانَ فِي مَعْنَى الرِّشْوَةِ.
(وَلَنَا) ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ جِنْسَ الصُّلْحِ بِالْخَيْرِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُوصَفُ بِالْخَيْرِيَّةِ، فَكَانَ كُلُّ صُلْحٍ مَشْرُوعًا بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَعَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ بَيْنَهُمْ الضَّغَائِنَ أَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَدِّ الْخُصُومِ إلَى الصُّلْحِ مُطْلَقًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً قَاطِعَةً؛ وَلِأَنَّ الصُّلْحَ شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إلَى قَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَالْمُنَازَعَةِ وَالْحَاجَةُ إلَى قَطْعِهَا فِي التَّحْقِيقِ عِنْدَ الْإِنْكَارِ إذْ الْإِقْرَارُ مُسَالَمَةٌ، وَمُسَاعَدَةٌ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَجْوَزُ مَا يَكُونُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورِ الْمَاتُرِيدِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ مَا صَنَعَ الشَّيْطَانُ مِنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ فِي بَنِي آدَمَ مَا صَنَعَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إنْكَارِهِ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَقَوْلُهُ أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ بِثَابِتٍ قُلْنَا هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَمْنُوعٌ، بَلْ الْحَقُّ ثَابِتٌ فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي، وَحَقُّ الْخُصُومَةِ وَالْيَمِينِ ثَابِتَانِ لَهُ شَرْعًا فَكَانَ هَذَا صُلْحًا عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ فَكَانَ مَشْرُوعًا.

.فَصْلٌ: رُكْنُ الصُّلْحِ:

وَأَمَّا رُكْنُ الصُّلْحِ:
فَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: صَالَحْتُكَ مِنْ كَذَا عَلَى كَذَا، أَوْ مِنْ دَعْوَاكَ كَذَا عَلَى كَذَا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيت، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِهِ وَرِضَاهُ، فَإِذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَقَدْ تَمَّ عَقْدُ الصُّلْحِ.

.فَصْلٌ: شَرَائِطُ الرُّكْنِ:

وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ.
فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُصَالِحِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُصَالَحِ عَنْهُ.
(أَمَّا).

.الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُصَالِحِ:

فَأَنْوَاعٌ:
(مِنْهَا) أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، وَهَذَا شَرْطٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ كُلِّهَا فَلَا يَصِحُّ صُلْحُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِانْعِدَامِ الْعَقْلِ.
(فَأَمَّا) الْبُلُوغُ، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى يَصِحَّ صُلْحُ الصَّبِيِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ بَيَانُ ذَلِكَ إذَا وَجَبَ لِلصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ عَلَى إنْسَانٍ دَيْنٌ، فَصَالَحَهُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ جَازَ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَيِّنَةِ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا الْخُصُومَةُ، وَالْحَلِفُ وَالْمَالُ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ تَبَرُّعٌ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ.
وَلَوْ أَخَّرَ الدَّيْنَ جَازَ سَوَاءً كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ لَا فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ مِنْ أَعْمَالِ التِّجَارَةِ، وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ فِي التِّجَارَاتِ كَالْبَالِغِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّأْجِيلَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ بِأَنْ يَبِيعَ بِأَجَلٍ، فَيَمْلِكُهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعَقْدِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْحَطِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ، بَلْ هُوَ تَبَرُّعٌ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ حَطَّ بَعْضِ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ حَطَّ بَعْضِ الثَّمَنِ لِلْعَيْبِ قَدْ يَكُونُ أَنْفَعَ مِنْ أَخْذِ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، فَيَمْلِكُهُ وَلَوْ صَالَحَ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ جَازَ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ إقَالَةٌ لِلْعَقْدِ وَالْإِقَالَةُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ فَصَالَحَ الْبَائِعَ عَلَى أَنْ قَبِلَهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ أَنْفَعُ مِنْ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ عَادَةً.
وَلَوْ صَالَحَهُ الْبَائِعُ، فَحَطَّ عَنْهُ بَعْضَ الثَّمَنِ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ مِنْ الْبَائِعِ تَبَرُّعٌ مِنْهُ عَلَى الصَّبِيِّ، فَيَصِحُّ.
وَلَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَقَرَّ بِهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ حَطَّ عَنْهُ الْبَعْضَ جَازَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ بِالدَّيْنِ صَحِيحٌ، فَكَانَ الصُّلْحُ تَبَرُّعًا عَلَى الصَّبِيِّ بِحَطِّ بَعْضِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَالصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُتَبَرَّعَ عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ.
وَكَذَلِكَ حُرِّيَّةُ الْمُصَالِحِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصُّلْحِ، حَتَّى يَصِحَّ صُلْحُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، أَوْ كَانَ مِنْ التِّجَارَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ عَلَى حَطِّ بَعْضِ الْحَقِّ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَيَمْلِكُ التَّأْجِيلَ كَيْفَ مَا كَانَ، وَيَمْلِكُ حَطَّ بَعْضِ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الْعَيْبِ لِمَا قُلْنَا.
وَلَوْ صَالَحَهُ الْبَائِعُ عَلَى حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ جَازَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَى إنْسَانٍ دَيْنًا، وَهُوَ مَأْذُونٌ فَأَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ حَطَّ بَعْضَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ بِالدَّيْنِ صَحِيحٌ فَكَانَ الْحَطُّ مِنْ الْمُدَّعِي تَبَرُّعَا عَلَى الْعَبْدِ بِبَعْضِ الدَّيْنِ فَيَصِحُّ.
وَلَوْ حَجَر عَلَيْهِ الْمَوْلَى، ثُمَّ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَأَقَرَّ بِهِ، وَهُوَ مَحْجُورٌ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْهُ عَلَى مَالٍ ضَمِنَهُ بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَالٌ لَا يَنْفُذُ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ لَا يَنْفُذُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَالٌ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ لَمْ يَنْفُذْ الصُّلْحُ فَلَا يُطَالَبُ بِهِ لِلْحَالِ وَلَكِنْ يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ مِنْ نَفْسِهِ صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِلْحَالِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى، فَإِذَا عَتَقَ زَالَ الْمَانِعُ فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ فَيَجُوزُ إقْرَارُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا إقْرَارُ الْمَحْجُورِ لِبُطْلَانِ الْإِذْنِ بِالْحَجْرِ، وَإِقْرَارُ الْمَحْجُورِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَحْجُورَ مِنْ أَهْلِ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْ ظُهُورِهِ حَقُّ الْمَوْلَى فَإِذَا كَانَتْ يَدُهُ ثَابِتَةً عَلَى هَذَا الْمَالِ مَنَعَ ظُهُورَ حَقِّ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي إقْرَارِهِ فَيَمْنَعُ ظُهُورَ حَقِّ الْمَوْلَى فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فَلَا يَظْهَرُ، فَلَا تَبْطُلُ يَدُهُ الثَّابِتَةُ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَالٌ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً، وَالْإِقْرَارُ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمَلٌ فَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَ يَدِهِ الثَّابِتَةِ حَقِيقَةً مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبِ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُ، وَيُؤَخِّرَ بَعْضَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ، فَقَدْ صَارَ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّف، فَلَا يَصِحّ صُلْحُهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ جَازَ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ عَجَزَ، فَالْخَصْم فِي دُيُونِهِ هُوَ فَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا لِحَطِّ الْبَعْضِ بِالصُّلْحِ.
(وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ الْمُصَالِحُ بِالصُّلْحِ عَلَى الصَّغِيرِ مُضِرًّا بِهِ مَضَرَّةٌ ظَاهِرَةٌ حَتَّى أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى صَبِيٍّ دِينًا فَصَالَحَ أَبِ الْوَصِيِّ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى مَالِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةً، وَمَا أَعْطَى مِنْ الْمَالِ مِثْلَ الْحَقِّ الْمُدَّعَى، أَوْ زِيَادَةً يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهَا، فَالصُّلْحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَى كُلِّ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْأَبُ يَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَيِّنَةِ يَقَعُ الصُّلْحُ تَبَرُّعًا بِمَالِ الصَّغِيرِ، وَأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، فَلَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ.
وَلَوْ صَالَحَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَا أَضَرَّ بِالصَّغِيرِ، بَلْ نَفْعَهُ حَيْثُ قَطْعَ الْخُصُومَةَ عَنْهُ.
وَلَوْ ادَّعَى أَبُو الصَّغِيرِ عَلَى إنْسَانٍ دَيْنًا لِلصَّغِيرِ فَصَالَحَ عَلَى أَنْ حَطَّ بَعْضَهُ، وَأَخَذَ الْبَاقِيَ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ؛ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ مِنْهُ تَبَرُّعٌ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى مِثْلِ قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا جَازَ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ فَيَمْلِكُ الصُّلْحَ، وَهَلْ يَمْلِكُ الْأَبُ الْحَطَّ مِنْ دَيْنٍ وَجَبَ لِلصَّغِيرِ، وَالْإِبْرَاءُ عَنْهُ هَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: (إمَّا) إنْ كَانَ وَلِيَ ذَلِكَ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ (وَإِمَّا) إنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيَهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ، وَالْإِبْرَاءَ مِنْ بَابِ التَّبَرُّعِ، وَالْأَبُ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ لِكَوْنِهِ مَضَرَّةً مَحْضَةً، وَإِنْ كَانَ وَلِيَهُ بِنَفْسِهِ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَهَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ، أَوْ حَطَّ بَعْضَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَلَا يَجُوزُ صُلْحُ أَحَدٍ عَلَى حَمْلٍ أَيًّا كَانَ الْمُصَالِحُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ وَوِرْثَ وَجَازَتْ الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ عَلَيْهِ؛ لَكَانَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَصِحَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَصِحَّ عَلَى اعْتِبَارِ الِانْفِصَالِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ تَنْفِيذِ الْوِلَايَةِ، وَهُوَ لِلْحَالِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ، وَيَمْلِكُ الْأَبُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَلَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ تَصَرُّفٌ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ بِالْإِحْيَاءِ، وَتَحْصِيلِ التَّشَفِّي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، وَكَذَا مَنْفَعَةُ التَّشَفِّي رَاجِعَةٌ إلَى نَفْسِهِ، وَلِلْأَبِ، وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ، وَلَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا مَلَكَ إنْكَاحَهُ دُونَ الْوَصِيِّ إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَك الْأَمْوَالِ لِشَبَهِهِ بِالْأَمْوَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجْرِي بَيْنَ طَرَفِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا بَيْنَ طَرَفِ الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى مَعَ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمْ فِي الْأَنْفُسِ، وَيُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فِي الْحُرِّ كَمَا يُسْتَوْفَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فِيهِ، وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فِيهِ، وَيُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي الْأَطْرَافِ، كَمَا يُقْضَى بِهِ فِي الْأَمْوَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُقْضَى بِهِ فِي الْأَنْفُسِ، وَلَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْحَالِ، وَالْمَآلِ فَيَلِي التَّصَرُّفَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَيَمْلِكُ الْأَبُ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الِاسْتِيفَاءَ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ الصُّلْحَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَكَذَا الْوَصِيُّ يَمْلِكُ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَكَذَا الصُّلْحُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ، وَهَلْ يَمْلِكُ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَمْلِكُ، وَكَذَا رَوَى الْقُدُورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ وَبَيْنَ الصُّلْحِ.
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقِصَاصَ تَصَرُّفٌ فِي النَّفْسِ بِتَحْصِيلِ الْحَيَاةِ، وَالتَّشَفِّي، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ، فَأَمَّا الصُّلْحُ فَتَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ وَلَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَأَنَّهُ فَرْقٌ وَاضِحٌ.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ الصُّلْحِ أَنَّ الصُّلْحَ اعْتِيَاضٌ عَنْ الْقِصَاصِ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْقِصَاصَ، فَكَيْفَ يَمْلِكُ الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ؟ وَلَوْ صَالَحَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ عَلَى أَقَلِّ مِنْ الدِّيَةِ فِي الْخَطَإِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ تَبَرُّعٌ، وَهُمَا لَا يَمْلِكَانِ التَّبَرُّعَ بِمَالِ الْيَتِيمِ، وَالْحَطُّ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَطَّ نُقْصَانٌ مُتَحَقِّقٌ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ فَالنُّقْصَانُ عَنْهُ مُتَحَقِّقٌ وَإِنْ قَلَّ وَالنُّقْصَانُ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِيهِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ لِاخْتِلَافِهِ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّرْ الْعِوَضُ لَا يَتَحَقَّقُ النُّقْصَانُ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمُصَالِحُ عَنْ الصَّغِيرِ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ.
(وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ مُرْتَدًّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا صُلْحُهُ نَافِذٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا نَافِذَةٌ لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ نَفَاذُ تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَفَاذُ تَصَرُّفِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَالْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَصُلْحُهَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْحَرْبِيَّةِ إلَّا أَنَّهَا إذَا الْتَحَقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ بَطَلَ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ كَصُلْحِ الْحَرْبِيَّةِ لِثُبُوتِ أَحْكَامِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي حَقِّهَا بِالْتِحَاقِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ.